فصل: تفسير الآيات (18- 19):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (17):

{وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17)}
أي ابتليناهم. ومعنى هذه الفتنة والابتلاء الامر بالطاعة. والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم فكذبوا فأهلكوا، فهكذا أفعل بأعدائك يا محمد إن لم يؤمنوا.
وقيل: فتناهم عذبناهم بالغرق.
وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ولقد جاء آل فرعون رسول كريم وفتناهم، أي أغرقناهم، لان الفتنة كانت بعد مجيء الرسل. والواو لا ترتب. ومعنى {كريم} أي كريم في قومه.
وقيل: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح.
وقال الفراء: كريم على ربه إذ اختصه بالنبوة وإسماع الكلام.

.تفسير الآيات (18- 19):

{أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (19)}
قوله تعالى: {أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ} قال ابن عباس: المعنى جاءهم فقال اتبعوني. ف {عِبادَ اللَّهِ} منادى.
وقال مجاهد: المعنى أرسلوا معي عباد الله وأطلقوهم من العذاب. ف {عِبادَ اللَّهِ} على هذا مفعول.
وقيل: المعنى أدوا إلي سمعكم حتى أبلغكم رسالة ربي. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي أمين على الوحي فاقبلوا نصحي.
وقيل: أمين على ما أستأديه منكم فلا أخون فيه. {وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ} أي لا تتكبروا عليه ولا ترتفعوا عن طاعته.
وقال قتادة: لا تبغوا على الله. ابن عباس: لا تفتروا على الله. والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل والافتراء بالقول.
وقال ابن جريج: لا تعظموا على الله. يحيى بن سلام: لا تستكبروا على عبادة الله. والفرق بين التعظيم والاستكبار أن التعظيم تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحتقر، ذكره الماوردي. {إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ} قال قتادة: بعذر بين.
وقال يحيى بن سلام: بحجة بينة. والمعنى واحد، أي برهان بين.

.تفسير الآية رقم (20):

{وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20)}
كأنهم توعدوه بالقتل فاستجار بالله. قال قتادة: {تَرْجُمُونِ} بالحجارة.
وقال ابن عباس: تشتمون، فتقولوا ساحر كذاب. وأظهر الذال من {عُذْتُ} نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم ويعقوب. وأدغم الباقون. والإدغام طلبا للتخفيف، والإظهار على الأصل. ثم قيل: إني عذت بالله فيما مضى، لان الله وعده فقال: {فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما} [القصص: 35].
وقيل: إني أعوذ، كما تقول نشدتك بالله، وأقسمت عليك بالله، أي أقسم.

.تفسير الآية رقم (21):

{وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21)}
قوله تعالى: {وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي} أي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، فاللام في {لي} لام أجل.
وقيل: أي وإن لم تؤمنوا بي، كقوله: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: 26] أي به. {فاعتزلون} أي دعوني كفافا لا لي ولا علي، قاله مقاتل.
وقيل: أي كونوا بمعزل مني وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا.
وقيل: فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي. والمعنى متقارب، والله أعلم.

.تفسير الآية رقم (22):

{فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)}
قوله تعالى: {فَدَعا رَبَّهُ} فيه حذف، أي فكفروا فدعا ربه. {أَنَّ هؤُلاءِ} بفتح {أن} أي بأن هؤلاء. {قَوْمٌ مُجْرِمُونَ} أي مشركون، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الايمان.

.تفسير الآية رقم (23):

{فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23)}
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا} أي فأجبنا دعاءه وأوحينا إليه أن أسر بعبادي، أي بمن آمن بالله من بني إسرائيل. {لَيْلًا} أي قبل الصباح. {إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} وقرأ أهل الحجاز {فأسر} بوصل الالف. وكذلك ابن كثير، من سرى. الباقون {فَأَسْرِ} بالقطع، من أسرى. وقد تقدم. وتقدم خروج فرعون وراء موسى في البقرة والأعراف وطه والشعراء ويونس وإغراقه وإنجاء موسى، فلا معنى للإعادة.
الثانية: أمر موسى عليه السلام بالخروج ليلا. وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو فيتخذ الليل سترا مسدلا، فهو من أستار الله تعالى. وإما من خوف المشقة على الدواب والأبدان بحر أو جدب، فيتخذ السرى مصلحة من ذلك. وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسري ويدلج ويترفق ويستعجل، بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة.
وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها}. وقد مضى في أول النحل، والحمد لله.

.تفسير الآية رقم (24):

{وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)}
قال ابن عباس: {رَهْواً} أي طريقا. وقاله كعب والحسن. وعن ابن عباس أيضا سمتا. الضحاك والربيع: سهلا. عكرمة: يبسا، لقوله: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً} وقيل: مفترقا. مجاهد: منفرجا. وعنه يابسا. وعنه ساكنا، وهو المعروف في اللغة. وقاله قتادة والهروي.
وقال غيرهما: منفرجا.
وقال ابن عرفة: وهما يرجعان إلى معنى واحد وإن اختلف لفظاهما، لأنه إذا سكن جريه انفرج. وكذلك كان البحر يسكن جريه وانفرج لموسى عليه السلام. والرهو عند العرب: الساكن، يقال: جاءت الخيل رهوا، أي ساكنة. قال:
والخيل تمزع رهوا في أعنتها ** كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد

الجوهري: ويقال افعل ذلك رهوا، أي ساكنا على هينتك. وعيش راه، أي ساكن رافه. وخمس راه، إذا كان سهلا. ورها البحر أي سكن.
وقال أبو عبيد: رها بين رجليه يرهو رهوا أي فتح، ومنه قوله تعالى: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً}. والرهو: السير السهل، يقال: جاءت الخيل رهوا. قال ابن الاعرابي: رها يرهو في السير أي رفق. قال القطامي في نعت الركاب:
يمشين رهوا فلا الاعجاز خاذله ** ولا الصدور على الاعجاز تتكل

والرهو والرهوة: المكان المرتفع، والمنخفض أيضا يجتمع فيه الماء، وهو من الأضداد.
وقال أبو عبيد: الرهو: الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره.
وفي الحديث أنه قضى أن: «لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة ولا ركح ولا رهو». والجمع رهاء. والرهو: المرأة الواسعة الهن. حكاه النضير بن شميل. والرهو: ضرب من الطير، ويقال: هو الكركي.
قال الهروي: ويجوز أن يكون {رَهْواً} من نعت موسى- وقاله القشيري- أي سر ساكنا على هينتك، فالرهو من نعت موسى وقومه لا من نعت البحر، وعلى الأول هو من نعت البحر، أي اتركه ساكنا كما هو قد انفرق فلا تأمره بالانضمام حتى يدخل فرعون وقومه. قال قتادة: أراد موسى أن يضرب البحر لما قطعه بعصاه حتى يلتئم، وخاف أن يتبعه فرعون فقيل له هذا.
وقيل: ليس الرهو من السكون بل هو الفرجة بين الشيئين، يقال: رها ما بين الرجلين أي فرج. فقوله: {رَهْواً} أي منفرجا.
وقال الليث: الرهو ومشي في سكون، يقال: رها يرهو رهوا فهو راه. وعيش راه: وادع خافض. وافعل ذلك سهوا رهوا، أي ساكنا بغير شدة. وقد ذكرناه آنفا. {إِنَّهُمْ} أي إن فرعون وقومه. {جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} أخبر موسى بذلك ليسكن قلبه.

.تفسير الآيات (25- 27):

{كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (27)}
قوله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ} {كم} للتكثير. وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في {الشعراء} مستوفى. {وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ} النعمة بالفتح التنعيم، يقال: نعمه الله وناعمة فتنعم. وامرأة منعمة ومناعمة، بمعنى. والنعمة بالكسر اليد والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك. وكذلك النعمى. فإن فتحت النون مددت وقلت: النعماء. والنعيم مثله. وفلان واسع النعمة، أي واسع المال، جميعه عن الجوهري.
وقال ابن عمر: المراد بالنعمة نيل مصر. ابن لهيعة: الفيوم. ابن زياد: أرض مصر لكثرة خيرها.
وقيل: ما كانوا فيه من السعة والدعة. وقد يقال: نعمة ونعمة بفتح النون وكسرها، حكاه الماوردي. قال: وفى الفرق بينهما وجهان: أحدهما- أنها بكسر النون في الملك، وبفتحها في البدن والدين، قاله النضر بن شميل.
الثاني- أنها بالكسر من المنة وهو الإفضال والعطية، وبالفتح من التنعيم وهو سعة العيش والراحة، قاله ابن زياد.
قلت: هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه. وقرأ أبو رجاء والحسن وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة {فكهين} بغير ألف، ومعناه أشرين بطرين. قال الجوهري: فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا. والفكه أيضا الأشر البطر. وقرئ: {ونعمة كانوا فيها فكهين} أي أشرين بطرين. و{فاكِهِينَ} أي ناعمين. القشيري: {فاكِهِينَ} لاهين مازحين، يقال: إنه لفاكه أي مزاح. وفية فكاهة أي مزح. الثعلبي: وهما لغتان كالحاذر والحذر، والفاره والفره.
وقيل: إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة. والفاكهة: فضل عن القوت الذي لا بد منه.

.تفسير الآية رقم (28):

{كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (28)}
قال الزجاج: أي الامر كذلك، فيوقف على {كَذلِكَ}.
وقيل: إن الكاف في موضع نصب، على تقدير نفعل فعلا كذلك بمن نريد إهلاكه.
وقال الكلبي: {كَذلِكَ} أفعل بمن عصاني.
وقيل: {كَذلِكَ} كان أمرهم فأهلكوا. {وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ} يعني بني إسرائيل، ملكهم الله تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين، لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث. ونظيره {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا} [الأعراف: 137]. الآية.

.تفسير الآية رقم (29):

{فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (29)}
قوله تعالى: {فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ} أي لكفرهم. {وَما كانُوا مُنْظَرِينَ}. أي مؤخرين بالغرق. وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض، أي عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق، وبكته الليالي الشاتيات. قال الشاعر:
فالريح تبكي شجوها ** والبرق يلمع في الغمامه

وقال آخر:
والشمس طالعة ليست بكاسفة ** تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

وقالت الخارجية:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ** كأنك لم تجزع على ابن طريف

وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه. والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد.
وقيل: في الكلام إضمار، أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة، كقوله تعالى: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] بل سروا بهلاكهم، قاله الحسن.
وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه كلامه وعمله فإذا مات فقداه فبكيا عليه- ثم تلا- {فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ}». يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم لأجله، ولا صعد لهم إلى السماء عمل صالح فتبكي فقد ذلك.
وقال مجاهد: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل!.
وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما: إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. وتقدير الآية على هذا: فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض. وهو معنى قول سعيد بن جبير.
وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه: أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان. ويشبه أن يكون قول مجاهد.
وقال شريح الحضرمي قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء يوم القيامة-قيل: من هم يا رسول الله؟ قال- هم الذين إذا فسد الناس صلحوا- ثم قال- ألا لا غربة على مؤمن وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض- ثم قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- {فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ}- ثم قال- ألا إنهما لا يبكيان على الكافر». قلت: وذكر أبو نعيم محمد بن معمر قال: حدثنا أبو شعيب الحراني قال حدثنا يحيى بن عبد الله قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني عطاء الخراساني قال: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت.
وقيل: بكاؤهما حمرة أطرافهما، قاله علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- وعطاء والسدي والترمذي محمد ابن علي وحكاه عن الحسن. قال السدي: لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما بكت عليه السماء، وبكاؤها حمرتها.
وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر. قال يزيد: واحمرارها بكاؤها.
وقال محمد بن سيرين: أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما.
وقال سليمان القاضي: مطرنا دما يوم قتل الحسين. قلت: روى الدارقطني من حديث مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشفق الحمرة». وعن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالا: الشفق شفقان، الحمرة والبياض، فإذا غابت الحمرة حلت الصلاة. وعن أبي هريرة قال: الشفق الحمرة. وهذا يرد ما حكاه ابن سيرين. وقد تقدم في {سبحان} عن قرة بن خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكرياء والحسين بن علي، وحمرتها بكاؤها.
وقال محمد بن علي الترمذي: البكاء إدرار الشيء فإذا أدرت العين بمائها قيل بكت، وإذا أدرت السماء بحمرتها قيل بكت، وإذا أدرت الأرض بغبرتها قيل بكت، لان المؤمن نور ومعه نور الله، فالأرض مضيئة بنوره وإن غاب عن عينيك، فإن فقدت نور المؤمن اغبرت فدرت باغبرارها، لأنها كانت غبراء بخطايا أهل الشرك، وإنما صارت مضيئة بنور المؤمن، فإذا قبض المؤمن منها درت بغبرتها.
وقال أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة أضاء كل شي، فلما كان اليوم الذي قبض فيه أظلم كل شي، وإنا لفي دفنه ما نفضنا الأيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا. وأما بكاء السماء فحمرتها كما قال الحسن.
وقال نصر بن عاصم: إن أول الآيات حمرة تظهر، وإنما ذلك لدنو الساعة، فتدر بالبكاء لخلائها من أنوار المؤمنين.
وقيل: بكاؤها أمارة تظهر منها تدل على أسف وحزن. قلت: والقول الأول أظهر، إذ لا استحالة في ذلك. وإذا كانت السموات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم- كما بيناه في سبحان ومريم وحم فصلت- فكذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك. والله أعلم بصواب هذه الأقوال.